ابن الجوزي

163

صيد الخاطر

117 - يختبر اللّه صبر عباده سبحان المتصرف بخلقه بالاغتراب والاذلال ليبلو صبرهم ، ويظهر جواهرهم في الابتلاء ، هذا آدم عليه السلام تسجد له الملائكة ثم بعد قليل يخرج من الجنة ، وهذا نوح عليه السلام يضرب حتى يغشى عليه ثم بعد قليل ينجو في السفينة ويهلك أعداؤه ، وهذا الخليل عليه السلام يلقى في النار ثم بعد قليل يخرج إلى السلامة ، وهذا الذبيح يضجع مستسلما ثم يسلم ويبقى المدح ، وهذا يعقوب عليه السلام يذهب بصره بالفراق ثم يعود بالوصول وهذا الكليم عليه السلام يشتغل بالرعي ثم يرقى إلى التكليم ، وهذا نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم يقال له بالأمس اليتيم ويقلب في عجائب يلاقيها من الأعداء تارة ومن مكايد الفقر أخرى ، وهو أثبت من جبل حراء . ثم لما تم له مراده من الفتح ، وبلغ الغرض من أكبر الملوك وأهل الأرض نزل به ضيف النقلة ، فقال : وا كرباه . فمن تلمّح بحر الدنيا وعلم كيف تتلقى الأمواج ، وكيف يصبر على مدافعة الأيام لم يستهول نزول بلاء ، ولم يفرح بعاجل رخاء . 118 - لا تقدم على عمل لا تطيقه ينبغي للعاقل أن لا يقدم على العزائم حتى يزن نفسه هل يطيقها ، ويجرب نفسه في ركوب بعضها سرا من الخلق فإنه لا يأمن أن يرى في حالة لا يصبر عليها ، ثم يعود فيفتضح . مثاله ، رجل سمع بذكر الزهاد فرمى ثيابه الجميلة ولبس الدون ، وانفرد في زاوية ، وغلب على قلبه ذكر الموت والآخرة ، فلم يلبث متقاضي الطبع أن ألحّ بما جرت به العادة ، فمن القوم من عاد بمرة « 1 » إلى أكثر مما كان عليه كأكل الناقة من مرض ، ومنهم من توسط الحال فبقي كالمذبذب ، وانما العاقل هو الذي يستر نفسه بين الناس بثوب وسط لا يخرجه من أهل الخير ، ولا يدخله في زي أهل الفاقة ، فان قويت عزيمته عمل في بيته ما يطيق ، وترك ثوب التجمل لستر الحال ، ولم يظهر شيئا للخلق ، فإنه أبعد من الرياء ، وأسلم من الفضيحة .

--> ( 1 ) أي عاد إليها تماما كما يقال اليوم « بالمرة » .